مفاهيم

تقديرك لذاتك: مدار الحياء

مهند بن جازي١٧ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ٤ دقائق قراءة٦١ مشاهدة

الجزء الأول من مقالة «تقديرك لذاتك» في جزأين

كثيرًا ما كان يستوقفني حديث: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، وأتساءل: كيف للحييّ أن يكون كلُّ قولِه وفعلِه خيرًا؟ ما العلاقة بين الحياء وصدور الخير عنه؟

وبعد تفكُّرٍ وتأمُّلٍ وجدتُ أنّ لخُلُق الحياء مدارًا لا ينفكّ عنه، إن سقط سقط الحياء معه؛ وهو علوّ تقدير المرء لذاته، فإنه على قدر علوّ الذات يكون الحياء؛ ومن علا قدرُه في عينه جدَّ في درء القبائح عن ذاتِه، ومن سَفُلَ صنع ما شاء. وإلى هذا المعيار أشار النبي ﷺ:

«إنَّ ممَّا أدرَك النَّاسُ مِن كَلامِ النُّبوَّةِ: إذا لم تَستَحْيِ فافعَلْ ما شِئتَ».

فإن قلتَ: وكيف له أن يعرف كلَّ قبيحٍ في عالمٍ يمور بقبحٍ مزخرفٍ؟ وهل إلفُ الناس لمسلكٍ كفيلٌ بنزع الحياء عن سلوكه؟

دعني أخي القارئ أجيب عن الشقّ الثاني من السؤال ثم أنتقل إلى الأول:

فأما إلفُ الناس فهذا مرجع من جعل الناس قبلتَه، فآثر ما آثروه، وترك ما تركوه. ومن كان كذلك فعلّته أنه حقّر نفسه، فلم يرَ لها قيمةً إلا بالركض خلف الركب.

وأما الجواب عن الشقّ الأول فأن تعلم أنّ قلب المرء كالإسفنجة، يتشرّب ما ينساب إليه؛ ومن هذا حالُه فإنّ استحسانه أو استقباحه للأشياء إنما هو إفراز لما تشرّبَه قلبُه.

فأيّ شيءٍ — والحالة هذه — يمكن أن يقي قلبه من صديد الفكر وقيحه؟

لن يجد واقيًا أنجع من ﴿اهدِنَا الصِّراطَ المُستَقيمَ﴾، ثم الصدق في طلب مراد الله في وحيه، مع البعدِ عن مصبَّات الباطل.

فمن علا في عينه قدرُ نفسِه أنِفَ القبيح وطلب الصحيح، وهذه هي حقيقة صفة الحياء.

ودليل ذلك وعلامته أمران احفظهما جيدًا:

الأمر الأول: تحكيم شريعة الله في دقيق أموره وجليلها، حقيقةً لا ادّعاءً؛ وذلك لأنها ما تركت حسنًا يليق به إلا وأرشدته إليه، ولا قبيحًا يأنفه إلا وحذّرت منه ومن أسبابه. بل إنه في هذا الباب يرى أنّ من علوّ شأنه ألّا يحكّم أمزجة الناس وأهواءَهم فيما يأتي ويذر، وكأنّ لسان حاله يقول: أنا غنيٌّ بالله عن ذبذبات البشر.

وأهل الباطل وإن كان بمقدورهم أن يستهدفوا العقول، ويحرّفوا القلوب بزخارفَ يُسبغونها على باطلهم، إلا أنّ جهودهم تقف ذليلةً عند من اعتصم بالله ووحيِه المحفوظ عن سفاهاتهم.

الأمر الثاني: طلب مرضاة الله؛ فالحييّ قد بلغ به تقدير الذات إلى أن تكون محبة ربّ العالمين — بكل ما يحمله هذا الوصف من معنًى — أقصى أمانيه. وحُقّ لك أن تعجب من أمره حين تقارنه بمن أقصى مطامعه أن يحظى بحبّ بشرٍ مثله، والمكانة عندهم، وهو يعلم أنّ له ربًّا أعزَّ وأجلّ!

ويجمع هذين الأمرين ما ذكره الله في هذا الحديث القدسي:

«وما تَقَرَّبَ إليَّ عَبدي بشَيءٍ أحَبَّ إليَّ ممَّا افتَرَضتُ عليه، وما يَزالُ عَبدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّه، فإذا أحبَبتُه كُنتُ سَمعَه الذي يَسمَعُ به، وبَصَرَه الذي يُبصِرُ به، ويَدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجلَه التي يَمشي بها...».

فترى في هذا الحديث أنّ إنسانًا يتقرّب إلى ربِّه بالواجبات والمستحبّات، ليس لمجرّد أنه يحب الله، بل ليحظى بمحبة الله له؛ فهمّتُه عظمت لعِظَم ذاته في نفسه؛ إذ ليس الشأن في أن يحبّ العبد ربَّه، وإنما الشأن أن يحبّ الربُّ عبدَه مع غناه عنه، وعنده من العباد من لا يُحصيهم إلا هو سبحانه.

وعلامة بلوغ مأموله هذا أن يكون ربُّه سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها؛ فلا يرى، ولا يسمع، ولا يبطش، ولا يمشي، إلا بما يليق بعبدٍ علا شأنه عند الله.

ولم يكن ذلك منه إلا بعد أن حسّن ما حسّنه الله، وقبّح ما قبّحه، متنائيًا بهذا التحسين والتقبيح عن تخبّطات المتخبّطين، وضلالات المضلّين.


ولقائلٍ أن يقول: إذا كان الحياء مرتبطًا بعلوّ تقدير الذات، فإنّ هذا لا يعني أنّ من يفعل قبيحًا في الإسلام وهو لا يعتقد قبحه قد دنا تقديره لذاته.

والجواب: يبدأ تقديرك لذاتك من الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى: من أوجدني؟ ولماذا أوجدني؟ وماذا بعد الموت؟ وأن يكون جوابك لا يهدف إلى إقصائها من دائرة الضمير لترتع بعدها في مشتهياتك، بل ليكون واقعًا تُترجَم فيه إجاباتك المبرهنة.

فالفاصل بين البشر والبهائم ثورانُ هذه الأسئلة في أذهانهم، ثم الجواب عنها جوابًا حاسمًا.

ومن أشاح بوجهه عن تطلُّب جوابها فستظلّ تلك الأسئلة تُلِحّ عليه حتى يسكتها بصخبٍ يُلجمها، أو بسكرةٍ تُغيّبها. وحينئذٍ لا فرق بينه وبين الأنعام إذ لم يَعْنِه أن يجيب عنها، بل هو أضلّ منها إذ لم يكن لها عقلٌ يسألُها!

ومن كان منه ما علمتَ فقد أدركتَ موضع نفسِه عند نفسِه.

ومن بحث عن جوابها ثم رضي بدينٍ محرَّفٍ فقد رضي لنفسه أن تكون حطب جهنم، والحطبُ حطب.

أما من اعتنق الإسلام دون تقيُّدٍ بتحسينه وتقبيحه، فذاك إما منصاعٌ لهواه، وهذا يُقال فيه ما قيل في السابق؛ وإمّا مُعظِّمٌ لأمثاله، لا يرى قيمةً له إلا بموافقته لهم، فينشدها بتقديم حكمهم على القرآن ومقاصده.

وغاية سعي بني آدم محصورةٌ في طرقٍ منتهاها: إما رضا بارئهم، أو رضا أهوائهم، أو رضا بشرٍ أمثالهم. ومن لم يرضَ لنفسِه الدُّون لم يقنع إلا بأن يكون اللهُ مطلبه الأقصى، ولم يرَ ثمنًا لذاته إلا الجنّة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، خالدًا فيها في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.

وللناس طريقٌ آخر إلى علوّ الذات، لا يمرّ بهذا المدار ولا ينتهي إلى هذا المنتهى؛ وفي الجزء الثاني بيانُه ونقضُه.

مهند بن جازيمشاهدات المدونة: ١٬٥١٧