الحاجة إلى النبوة وعدم توقف وقوعها على الحاجة إليها

إنَّ النبوَّةَ في حقيقتها وحْيٌ إلهيٌّ يُنزله الخالق -سبحانه وتعالى- هدايةً لخلقه، وإرشادًا لهم إلى مُدْرَكاتٍ تقصُرُ عنها وسائلهم. وهذا القَدْرُ يتفقُ عليه المثبتون والنافون لها، وعليها يُرتِّب الفريق الأول ضرورتها في مقابل من يدَّعي عدم الحاجة إليها، وهم بعض أصحاب الفريق الثاني.
والخالقُ لهذا الكون الفسيح المتقَن، لا يُعجزه أنْ يجعلَ الإنسانَ نبيًّا، بل «جعلُ الإنسانِ نبيًّا ليس بأعظم من جعل العلقة إنسانًا حيًّا، ناطقًا، سميعًا، بصيرًا، متكلمًا، قد عَلِمَ أنواع المعارف» ١
وحياةُ الإنسانِ، وعلمُهُ، وحكمَتُهُ، دالَّةٌ على اتِّصاف خالقه بالحياة والعلم والحكمة؛ وذلك لأنَّها صفاتُ كمالٍ لذاتها، وواهبُ الكمال أحقُّ به، وفاقدُ الكمال لا يعطيه؛ هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى: دلالة انتظامَ الكون وإتقانَهُ على حِكْمَةِ صانعه، تدل أيضًا على تنزه الخالق من أن يخلق خلقه عبثًا.
وتخصيصُ الإنسان بالعلم والحكمة دون سائر المخلوقات، وتخصيصُ كل مخلوقٍ بهيئةٍ تناسب الغاية التي خُلق من أجلها = يدلُّ على إرادة الخالق وعلمِهِ بالمآلات، ما يعني أنَّ الوسيلةَ التي خاطب بها خلقه كانت وَفْقَ إرادةٍ وحكمةٍ وعلم. ولا يصح الاعتراض عليها من قِبل الموهوب الناقص؛ إذ عُلِمَ عقلًا أنَّ الواهب أكمل، وفيما يلي بيانُ حاجة الإنسان إلى النبوة وضرورتها:
- ضرورة الحساب
دَلَّ العقلُ على اتِّصاف الخالق بالكمال المطلق، ومن ذلك الكمال: صفةُ العلم، والحكمة، والعدل، فهو -جل جلاله- لا يخفى عليه ما يفعله الإنسان بمقتضى الإرادة التي وهبها اللهُ إيَّاه، وإرادةُ الإنسان واختيارُهُ تقتضي تنوُّعَ أفعاله بين الخيرِ والشرّ، واللهُ تعالى يجازيه عليها؛ لأنَّ العدل الحكيم لا يمكن أنْ يساوي في المآل بين الأخيار والأشرار، والأبرار والفجّار؛ لكون ذلك من الظلم الذي يُنَزَّهُ الخالق عنه.
وتمامُ الجزاء لم يحصل في الدنيا، بل قد يحظى بعض الأشرار في الدنيا بما يفوق غيرهم من حظوظها؛ فعُلِمَ من ذلك أنَّ الجزاءَ التامَّ حاصلٌ في دارٍ أخرى فيها يُكافأ المُحسن ويُعاقب المسيء.
ويُمكنُ تلخيص هذا الدليل وتقريبه في المقدمات التالية:
١- الخالق متصف بالكمال المطلق.
٢- كمالُه يقتضي مجازاتَه للأخيار والأشرار بما يستحقونه.
٣- تمامُ المجازاة لم يحصل في الدنيا.
إذًا لا بُدَّ من وجود دارٍ أُخرى يتحقق فيها تمامُ العدل الإلهي.
يقول شيخ الإسلام: «والكلامُ في النبوَّةِ فرعٌ على إثبات الحكمة التي يوجب فعلَ ما تقتضيه الحكمة، ويمتنع فعلُ ما تنفيه، فتقول: هو سبحانه وتعالى حكيم، يضع كل شيء في موضعه المناسب له، فلا يجوز عليه أنْ يسوِّيَ بين جنس الصادق والكاذب، والعادل والظالم، والعالم والجاهل، والمصلح والمفسد، بل يفرِّق بين هذه الأنواع بما يُناسب الصادق العادل العالم المصلح من الكرامة، وما يناسب الكاذب الظالم الجاهل المفسد من الهوان؛ كما قال تعالى: ﴿أَم نَجعَلُ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالمُفسِدينَ فِي الأَرضِ أَم نَجعَلُ المُتَّقينَ كَالفُجّارِ﴾ وهذا استفهام إنكارٍ على من ظنَّ ذلك ...»٢
- إقامةُ الحُجَّةِ على خَلْقِه
علمتَ أنَّ الله تعالى مُجَازٍ عبادَهُ على أعمالهم المتأرجحة بين الخير والشرّ، فكان من كمال عدله ورحمته بهم: أنْ يعرِّفهم ما لهم من الحقوق، وما عليهم من الواجبات، على وجهٍ واضحٍ لا لَبْسَ فيه ولا غموض، فإرسالُ اللهِ للرسل هو من تمام عدله؛ كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾، بِشارةٌ للأخيار، ونِذارةٌ للأشرار.
ولو وُكِلَ البَشَرُ إلى أنفسهم في تحديد ما يُنجيهم من عذاب الخالق = لاضطربوا اضطرابًا شديدًا؛ وذلك لأنَّ عقولهم قاصرةٌ عن إدراك كثيرٍ مما يُصلح دنياهم فضلًا عن أُخْراهم؛ حيث تجدهم يُقبِّحون أمورًا كانوا يظنُّونها بالأمس طريقًا موصلًا إلى ما ينفعهم؛ فكيف بهم إذا أقحموا عقولهم فيما هو خارجٌ عن نطاقها؟!
والإنسانُ إذا علِمَ أنَّ هناك حياةً أخرى يُجازى فيها الأخيار والأشرار كُلٌّ بما يستحق؛ فإنَّ تطلُّبَ ما يُحقق حُسْنَ الجزاء أولى من كلِّ شيءٍ على الإطلاق؛ وذلك لأنَّ تحصيلَ رضا الله تعالى وحُسْنَ ثوابه مقدَّمٌ على كلِّ ما يخطر في قلب الإنسان من الملذات الزائلة. والذي يُحقق ذلك الفلاح -أعني: فلاح المعاد- إنما هو جملةٌ من الاعتقادات والأقوال والأعمال، من وافقها وامتثلها كان من الأخيار، ومن خالفها وأعْرَضَ عنها كان من الأشرار. وإذا كان الإنسان قاصرًا عن إدراكها؛ فإنَّ المكابرة في ذلك والاحتكام إلى الناقص يؤول إلى اختلاف الناس، وبالتالي يزعُمُ كلٌّ منهم أنَّ ما لديه هو المُنْجي، وما لدى الآخر هو المُهلك؛ ولا يصلح أنْ يكونَ كلاهما مُنْجٍ لكون ذلك مستلزمًا للجمع بين النقيضين، والجمع بينهما مُحال.
فلمَّا كان الأمر كذلك اقتضت رحمةُ الله تعالى وعدلُهُ أنْ يُرْسِلَ للناس ما يبيِّن لهم الطريقَ إلى حسنِ الجزاء، ويقطع النزاع بين الناس ويحقن دماءهم؛ إذ لو تُرِكَ الأمر للناس مع اختلافهم لظَلَمَ بعضهم بعضًا وتقاتلوا؛ حيث إنَّ ما يدعون إليه منبثقٌ عن عقولهم القاصرة، وتقاليدهم، وأهوائهم، ورغباتهم، ولازمُ هذا: اضطرابهم واختلافهم اختلافًا شديدًا بحسب تعاطيهم مع تلك النوازع والدواعي، وكلٌّ منهم مع ذلك يزعم أنَّ من امتثلها حُقَّ له الجزاء الحسن. وحينئذٍ سيبذل كلَّ السبل المُفضية إلى إخضاع الناس لمعتقداته وأعماله حتى لو تطلَّبَ الأمْرُ قَتْلَ المجاهرين بضدِّ قولِهِ؛ لأنَّ الجهر بالضد يُحُولُ بين المدعوِّين وفلاح الدار الآخرة اللازم لما يدعو إليه كلُّ واحدٍ منهم.
– فإنْ قيل: ألستم تزعمون أنَّ النبوات قد تحققت في الواقع؟ كيف إذًا تدَّعون أنَّ النبوَّةَ عاصِمَةٌ من هذا مع أنَّ الناس مختلفون متناحرون؟!
قيل: ليس المقصود من هذا أنَّ الاختلاف والتناحر لا يقع؛ وإنَّما المقصود أنَّ النبوة تقطع النزاع بين المختلفين إنِ احتكموا إليها، ففرقٌ بين وجود المعيار والتسليم له والاحتكام إليه؛ فلا يلزم من معرفة الإنسان بالحق اتِّباعُه والانقياد إليه.

- النبوَّةُ طريقٌ مأمونٌ
قد علمتَ ضرورةَ الجزاء، وأنَّ المُجازين إمَّا أخيارٌ أو أشرار، إمَّا أبرارٌ أو فجَّار، ولا بُدَّ من وجود معيارٍ تفصيليٍّ يقتضي الحكم على من وافقه بالخير والجزاء الحَسَن، وعلى من خالفه بالشر واستحقاق العقاب، وذلك المعيار لا يمكن أنْ يُترك للنَّاس لقصور عقولهم وتأثُّرِهِم بالمؤثرات الداخلية -كالشهوات، والرغبات-، والخارجية -كالعادات، والتقاليد، ودين الآباء-، وما يستلزمُ ذلك من الاختلاف والتنافر، ثم القتال والتناحر. أقول: والتحاكمُ في بيان الطريق الموصل للجزاء الحسن إمَّا أنْ يعود إلى الإنسان نفسه، وهو عودٌ إلى منشأ الاختلافات، أو إلى مصدرٍ آخَرَ متعالٍ عن قصور عقولهم، وشهواتهم، ورغباتهم، وما أَلِفُوه مما هو ذائعٌ بينهم.
ولا شَكَّ أنَّ الأسْلَمَ هو الثاني؛ إذ الإنسانُ ليس بمعصومٍ عن الزلل في أمور دنياه، ومن كان حاله كذلك = فحريٌّ به أنْ يُجانِبَ الصواب في أمور المستقبل والغيب، والعاقلُ الفَطِن لا يهنأ له بالٌ ويطمئن حتى يعلم أنَّ تلك المعتقدات والأعمال التي تمثل معيارًا للخير مقتضيةٌ للفلاح الأخروي بيقين، كيف لا وقد عَلِمَ زللَ الخلق فيما دونهما؟!
وحيث كان الأمر كذلك فاطمئنانه وهناءُ باله لن يكون إلا باللجوء إلى وحْيٍ سماويٍّ؛ يُنْزِلُهُ من هو عليمٌ بكل شيء، نافذٌ أمرُه على كل شيء.
ولا يمكن للصادق في طلب ذلك أنْ يشترط وسيلةً معيَّنَةً بحيث يرفُضُ كلَّ معرفةٍ جاءته عن غيرها، ومثال ذلك: أنْ ينكر النبوات ويكذِّب الأنبياء بحجة أنَّ هناك طرقًا أخرى هي أفضل من إرسال الرسل وبعث الأنبياء؛ فهذا في الحقيقة نصَّبَ نفسه حاكمًا على أفعال من أعطاه الحكمة، وهذا في غاية التناقض!
- هل عدمُ الحاجةِ إلى النبوَّةِ دليلٌ كافٍ على نفي وقوعها؟
ولأقطع الطريق على من ينازع في حاجة الناسِ إلى النبوة ليرتب على عدم الحاجة انتفاء وقوعها = أثير هذا السؤال: هل هناك تلازمٌ بين نفي الحاجة للنبوة وانتفائها؟ أو بعبارةٍ أخرى: هل كلُّ ما لا حاجة لنا به معدومٌ؟
وإليك جوابي:
أوَّلًا: هذه القضية الكلية -أعني: كلَّ ما ليس لنا به حاجةٌ غيرُ موجود- ليست قضيةً تضطر النفسُ إلى التصديق بها، بمعنى أنها تفتقر إلى دليلٍ صحيحٍ، وهذا الدليل لا بُدَّ أنْ يكون كُلِّيًّا، وإلا لم يصح تعميم الحكم فيه، والكُلِّيُّ اليقينيُّ يُكْتَسَبُ باستقراءٍ تامٍّ، أو ببداهةٍ وضرورة. والمدَّعي يعلم جيدًا خُلُوَّ يَدِهِ من قضيةٍ كليةٍ ضروريةٍ تستلزم صدق استدلاله، فما بقي له إذن إلا الاستقراء التام، وهذا يتطلبُ إحاطةً بموجودات الأرض، وعلاقةِ كل فردٍ من أفراد البشر بها، وهو متعذِّرٌ لكونه خارجًا عن نطاق الطاقة البشرية، فثبت إذًا عجزُ المدَّعي عن إثبات دعواه التي يرتب عليها نفي النبوة نفيًا كليًّا!
ثانيًا: إذا نظرنا إلى الواقع وجدنا أنَّ هناكَ أشياءَ لا يحتاجها الإنسان، وهي مع ذلك موجودة، ومثال ذلك: بعضُ شعر الرأس؛ فإنَّ الواحدة منه لا يحتاج إليها الإنسان، ولن يتأثر بعدمها، وهي مع ذلك موجودة.
وهذا يُبطل القضية الكلية؛ إذ كما هو معلومٌ في قواعد المنطق أنَّ الموجبة الجزئية نقيضُ السالبة الكلية، والنقيضان لا يجتمعان.
ثالثًا: إذا كانت القضية المدَّعاة -وهي كلُّ ما لا حاجة لنا به غيرُ موجود- قضيةً باطلة؛ فإنَّ هذا يعني أنَّ القول بعدم الحاجة إلى النبوة ليس مبررًا صحيحًا لنفيها نفيًا كُلِّيًّا.
رابعًا: سأفترض أنَّنَا لسنا بحاجةٍ إلى النبوة، ومعنى هذا أنَّنا نستطيع بالعقل -أو أيِّ وسيلةٍ أخرى غير الوحي- التعرُّف على الله، ومعرفة ما يريده منا، كما نستطيع التعرُّف على ما سيجازينا به، وكلُّ ذلك على وجه التفصيل، فهل هذا يقتضي نفيَ النبوة؟
كلا، وذلك لأنَّ الله -عز وجل- قد يجعل للحقيقة الواحدة أكثرَ من طريقٍ يعرِّف الإنسانَ بها، ومثال ذلك: وجودُه سبحانه؛ فإنه يُعْلم من خلال طُرقٍ متعددة، لكل واحدٍ منها استقلالٌ عن الآخر في دلالته.
وبناءً على ما سبق كلِّه فإنه لا يصح نفي النبوة -من جهة الاستدلال- بانتفاء الحاجة إليها.
فالنبوة إذن مقدورةٌ لله تعالى، والجهلُ بحكمة كون المرسَلِ بشرًا لا يعني عدمَ الحكمة، فكان الصحيح أنْ نَنْظُرَ في الواقع ونتساءل: هل تحققت النبوة أم لا؟ إذ العقل لا يحكم بنفيها ولا إثباتها ما دامت مقدورةً للهِ تعالى ولا تعارض كمالاته، ولا يتوقف إثباتها على إثبات الحاجة إليها.
مقالة قديمة نُشرت في مدونتي القديمة عام ٢٠١٩م
