مفاهيم

تقديرك لذاتك: الإفلاس والخطر في بناء التقدير الذاتي

مهند بن جازي٢٥ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ٤ دقائق قراءة٠ مشاهدات

الجزء الثاني من مقالة «تقديرك لذاتك» في جزأين

تقدّم أنّ مدار الحياء علوُّ تقدير المرء لذاته، وأنّ العالي في عين نفسه لا يقنع دون رضا ربِّه.

فهذا هو طريقُ من تعاظمت في عينه ذاته، وليس الطريق إلى ذلك – كما تقول أدبيات علم النفس الغربي والعلاقات – خيالاتٍ يتخيلها فينتفخ بها، واستحقاقًا يرفعه، وشجبًا للتبرير من قاموس العلاقات، وتظاهرًا بالاستغناء...إلى غير ذلك مما تعج به كتب ترميم الذات. 

فمجموع هذه الممارسات لا يختلف في بناء القيمة الذاتية عن ممارسات من يريد أن يصل إليها بمقتنيات يستعرض بها، أو بجسدٍ يجمُّله، أو بشهادةٍ ينالها، أو بغير ذلك من الممارسات التي يُعوِّض بها صاحبها تقديرًا متدنّيًا للذات.

ولا يقتصر عوار أدبياتهم في بناء التقدير الذاتي على أنها فاضحة لمن تدنى تقديره، بل تجمع إلى ذلك عدة مساوئَ أنبتَها قيامُها على فلسفةٍ هامت على وجهها بعد أن أقصت الوحي لتحلّ محله في هداية البشرية. وفي بيان هذه المساوئ على وجه الاختصار أذكرها في أوجه:

الوجه الأول: أنها تجعل مدار قيمة المرء على طريقة تعامل الناس معه. نعم، قد تجد كثيرًا منهم يصرح بأن قيمتك في ذاتك نابعة من تصورك عن نفسك بغض النظر عن نظرة الناس لك، ولكن هذا كلام في ظاهره مستقيم، وهو في حقيقته يرتد بك – إن لم يكن نظر الله لك هو المقدّم – إلى حيث فررت منه؛ إذ إنّ الإنسان كلَّ إنسان يقلقه السعي إلى المكانة، أعني أن يُحَبّ؛ وهذه غريزةٌ متأصّلة فيه، فإن تُرك عائمًا بلا إله يُكرمه فلن يجد غير البشر يسدّ بهم حاجته، فعاد به الأمر إلى أنه إذا وجد منهم تقديرًا واحترامًا شعر بقيمته، وإن لم يجد فقيمته مشكوك فيها.

فعلوّ تقدير المرء في عالم تشكّله فلسفة لا تعترف بالخالق مرتبطٌ بنظرة الناس، وبهذا يكون الإنسان سلعةً تزداد قيمتها أو تنقص بمدى الإقبال عليها من عدمه.

ويكفيك إسقاطًا لهذه الفكرة أن جملة من الأنبياء أوذوا من أقوامهم، بل ويُبعث النبي يوم القيامة وليس معه أحد! وقد كان النبي ﷺ مستضعفًا في أكثر سنوات بعثته، ولا تخفى عليك قصة عرضه نفسه على القبائل ليناصروا دعوته... ورغم ذلك كان أعظم رجل وطئت قدمُه الأرض عند ربِّه، وعند نفسِه باتفاق أتباعه وأعدائه.

كما أنّ من آثار هذا الربط بين النظرة الذاتية والمكانة بين الناس، أنها رفعت أقوامًا كانت الأمم قبل هيمنة هذه الفلسفة متفقةً على أنّ من سلك مسالكهم ساقطٌ لا موضع له بين نبلاء الناس وأشرافهم.

ولا أعجب من هذه النظرة منهم للقيمة الإنسانية؛ إذ هي لازمةٌ لمحاولة إشباع غريزة المكانة على أرضية تهوي بالإنسان إلى قاعٍ سحيق، وليس هذا موطن التفصيل.

الوجه الثاني: أنّ الممارسات التي أرشدت إليها تلك الأدبيات ليعلو قدر المرء في عين نفسه والآخرين، تنتهي به إما وحيدًا، أو على أقل قدر من الحاجات المقصودة بكل نوع من العلاقات؛ ذلك أنّ العلاقات العميقة لا تتعمق إلا إذا لبَّى كل طرفٍ من أطرافها الحاجات الفطرية لطرفيها، وأن يكون ذلك بطريقةٍ مشروعة.

وهنا يأتي السؤال: إذا سلّمنا بوجود حاجاتٍ فطرية، فمن الذي يضع أيدينا عليها في ظل محاولات التشويه للفطرة الإنسانية؟

وهل الثقافة المهيمنة التي نُسجت على ضوئها أدبيات علم النفس والعلاقات، ورُبِّي في حضنها كُتَّابُها، توافق على كل ما يثبت أنه فطرة إنسانية أم تسحقها إن خالفت مبادئها وأهدافها؟

ومن الذي يبيّن لنا الطريقة المشروعة لسدّ الحاجات الفطرية عميقها وسطحيها؟ وإذا وقع الخِلاف في تحديد ما هو فطرة وما ليس فطرة، وما هو مشروع وما ليس بمشروع، فمن الذي يحسم الخلاف؟

إلى غير ذلك من الأسئلة التي تكشف أنّ تلك الممارسات تضع المرء أمام تحدّي بناء العلاقات العميقة ودوامها، خاصة إذا انتهجها طرفاها؛ فهي تتجاهل البناء الفطري الإنساني الذي أودعه الخالقُ في خليقته لتكون الحاجات العميقة محرِّكًا للاجتماع والائتلاف.

ولذلك كانت المجتمعات الغربية التي عولمت فكرها السقيم بالقوى الخشنة والناعمة من أشدّ المجتمعات التي يعاني أفرادها الوحدة، والتفكك الأسري، والاستغراق في الملذات مدافعةً لآلامهم الوجودية.

الوجه الثالث: أنّ العالي في عين نفسِه لا يمكن أن يؤطر ما يرسخ علو ذاته بتعاليمَ يمليها عليه بشرٌ مثله، بل هو يحاكمها إلى وحي ربِّه، وسير المعصومين، ونهج السادة الذين زكاهم الله.

فليس إذن الطريق لعلوّ التقدير ما تقدَّم، بل الطريق أن تجعل قبلة قلبك أجلَّ موجودٍ (الله)، ومنتهى حياتك أفضل موعود (الجنة)، ومتعلَّق همتك أرقى منشود (أن يحبك الله)، وهذا الذي يليق بمن علا شأنُه في عين نفسِه. ومن كان كذلك كانت أقوالُه وأعمالُه، في خلواتِه وجلواتِه، لائقة بقبلته، ومنتهاه، ومتعلَّقِ همتِه.

مهند بن جازيمشاهدات المدونة: ١٬٥١٧